أيتها الأم عليك بالدعاء
ما أحوجنا إلى التوجه إلى الله وحده لا شريك له، الكريم الأكرم، مجيب دعوة الداع إذا دعاه، مفرج الكربات سبحانه، أرحم الراحمين، خير الراحمين، مجيب دعوة المضطر وإن كان كافراً فاجراً.
فربنا سبحانه وتعالى يدعونا لمأدبة من خير المآدب، ألا وهو الدعاء، نعم الدعاء أي التوجه له ظاهراً وباطناً، وقد وعدنا سبحانه بالإجابة فقال سبحانه: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ } [غافر: 60]. وقال: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)} [البقرة]. وربنا سبحانه غني عنا وعن دعائنا، ولكنه كريم سبحانه لا يرد السائل ولا يخيبه، قال تعالى: {قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ} [الفرقان: 77].
ولأني أم وأشعر بما تشعر به كل الأمهات تجاه أبنائهن وبناتهن إذا رأين من أحدهم تغيراً في سلوكه أو صحته أو مسيرته في الحياة، فلا ملجأ لنا في هذه الحالة إلا الله وحده لا شريك له، الواحد الأحد الفرد الصمد، فالشكوى للناس لا تنفع بشيء، بل نتوجه أنا وأنت إلى رب الناس وربنا ورب أبنائنا وبناتنا سبحانه، هو خالقنا ورازقنا ومربينا سبحانه، وهو القادر على تغييرنا وتغيير أبنائنا وبناتنا وهدايتهم وصلاحهم.
فعليك بالدعاء أيتها الأم الحنون الرؤوم، المشفقة على أبنائك وبناتك في كل وقت، وفي كل صغيرة وكبيرة، وفي الرخاء والشدة، بل يجب على الأم الدعاء لأبنائها حتى قبل أن تكون أماً، أي قبل أن تحمل بابنها أو ابنتها فتدعو الله أن يرزقها الذرية الطيبة الصالحة، فقد قص الله سبحانه وتعالى عن زكريا عليه السلام فقال: {هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (38)} [آل عمران]. وقال عن إبراهيم عليه السلام {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء(40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41)} [إبراهيم].
وقال سبحانه: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15)} [الأحقاف].
والدعاء الصالح نافع في جميع الأحوال، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل، ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة. يقول ابن القيم رحمه الله في ذلك، "وله - أي الدعاء مع البلاء ثلاثة مقامات: أحدها أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه، والثاني أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد ولكنه قد يخففه وإن كان ضعيفاً، والثالث: أن يتقادما ويمنع كل واحد منهما صاحبه".
فادعي لهم أيتها الأم بالصلاح والهداية ونفع الإسلام والمسلمين، فإنك ستجدين ذلك فيهم إن عاجلاً أم آجلاً فكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يرد القدر إلا الدعاء" واحرصي أختي الأم أن يسمعوا هذا الدعاء منك لهم كل صباح، فإنهم سيشعرون بالسعادة والتفاؤل مكبرين سائر يومهم وليلتهم، وكل ما حصل لهم توفيق ونجاح في حياتهم، قالوا هذا من الله وحده لا شريك له ثم من دعاء والدينا لنا، فالدعاء سبب مشروع ومبارك لحصول المسرات ودفع النغمات.
وتخيري أيتها الأم أوقات الإجابة مثل: الثلث الأخير من الليل، بين الأذان والإقامة، وساعة الجمعة، ويوم عرفة، وغير ذلك.
وقد ندعو ولا يستجاب لنا، فاعلمي أن عدم إجابة الدعاء، بينما هو مصلحة من الله لعباده وحكمة منه سبحانه، فالله يعلم أنه قد يكون في إجابة الدعاء مضرة على العبد فلا يستجيب، ولكن الله لا يضيع أجر المحسنين، فالدعاء الصالح للأبناء إذا لم يستجب في الدنيا فإنه لا يضيع عند الله أبداً، قال صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يكف عنه السوء بمثلها، قالوا: إذاً نكثر يا رسول الله! قال: الله أكثر"
فأكثري أخيتي من الدعاء لأبنائك وبناتك بالصلاح والهداية ليل نهار، فالله أكثر، واحذري كل الحذر من الدعاء عليهم حتى وإن كنت غاضبة عليهم في شيء ما، وما أكثر ما يغضب الأبناء والبنات والديهم، ولكن كما قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصرعة وإنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب" وقد بيّن لنا صلى الله عليه وسلم مغبة الدعاء عليهم. فقال: "لا تدعو على أنفسكم، ولا تدعو على أولادكم...إلخ" الحديث. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.